أحمد بن محمد المقري التلمساني
146
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ بكار المرواني ] وحكي أن بكار المرواني لمّا ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل ، قال صاحب السقط : إنه اجتمع به في أشبونة فقال : قصدت منزله بها ، ونقرت الباب ، فنادى : من هذا ؟ فقلت : رجل ممّن يتوسّل لرؤياك « 1 » بقرابة ، فقال : لا قرابة إلّا بالتقى ، فإن كنت من أهله فادخل ، وإلّا فتنحّ عنّي ، فقلت : أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى ، فقال : ادخل ، فدخلت عليه فإذا به في مصلّاه وسبحة أمامه ، وهو يعدّ حبوبها ويسبح فيها ، فقال لي : ارفق عليّ حتى أتمّم وظيفتي من هذا التسبيح ، وأقضي حقّك ، فقعدت إلى أن فرغ ، فلمّا قضى شغله عطف عليّ وقال : ما القرابة التي بيني وبينك ؟ فانتسبت له ، فعرف أبي ، وترحّم عليه ، وقال لي : لقد كان نعم الرجل ، وكان لديه أدب ومعرفة ، فهل لديك أنت ممّا كان لديه شيء ؟ فقلت له : إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلّم الأدب ، وقد تعلّقت من ذلك بما أتميّز به ، فقال لي : هل تنظم شيئا ؟ قلت : نعم ، وقد ألجأني الدهر إلى أن أرتزق به ، فقال : يا ولدي إنه بئسما يرتزق به ، ونعم ما يتحلّى به إذا كان على غير هذا الوجه ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من الشّعر لحكمة » ولكن تحلّ الميتة عند الضرورة ، فأنشدني أصلحك اللّه تعالى ممّا على ذكرك من شعرك ، قال : فطلبت بخاطري شيئا أقابله به ممّا يوافق حاله فما وقع لي إلّا فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك ، فأطرقت قليلا ، فقال : لعلّك تنظم ، فقلت : لا ولكن أفكر فيما أقابلك به ، فقولي أكثره فيما حملني عليه الصّبا والسخف ، وهو غير لائق بمجلسك « 2 » ، فقال : يا بني ، ولا هذا كلّه ، إنّا لا نبلغ من تقوى اللّه إلى حدّ نخرج به عن السلف الصالح ، وإذا صحّ عندنا أنّ عبد اللّه بن عباس ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومفسّر كتاب اللّه تعالى ينشد مثل قول القائل : [ الرجز ] إن يصدق الطير ننك لميسا فمن نحن حتى نأبى أن نسمع مثل هذا ؟ واللّه لا نشذّ « 3 » عن السلف الصالح ، أنشدني ما وقع لك غير متكلّف ، فلم يمدّني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه : [ المجتث ] أبطأت عنّي ، وإني * لفي اشتياق شديد وفي يدي لك شيء * قد قام مثل العمود لو ذقته مرّة لم * تعد لهذا الصدود
--> ( 1 ) في ب : « يتوسل لرؤيتك » . ( 2 ) في ب : « وهو لائق بغير مجلسك » ، وقد أثبتنا ما في أ ، وهو أفضل . ( 3 ) في ه : « ألا واللّه لأنشد عن السلف الصالح » محرفا .